
رغم الأجواء التجارية الملبدة بالتوترات والرسوم الجمركية، أصرّ الشحن الجوي على التحليق. ففي يونيو 2025، سجل القطاع نموًا طفيفًا لكنه مهم، كأنه يؤكد أن التجارة، مهما تعطّلت، لا تتوقف.
بحسب بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، ارتفع الطلب العالمي على الشحن الجوي بنسبة 0.8% مقارنة بيونيو 2024، بينما ازدادت السعة بنسبة 1.7% في الفترة ذاتها. أرقام بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها قصة مقاومة على مستوى عالمي.
خريطة من التباينات: حين لا تطير الأجنحة بنفس الارتفاع
ليست كل المناطق تحت سماء واحدة. فقد سجّلت آسيا والمحيط الهادئ نموًا لافتًا بلغ 9.0%، ما جعلها تقود حركة الشحن عالميًا، تزامنًا مع زيادة سعتها بنسبة 7.8%. أما أمريكا الشمالية، فقد تراجعت بنسبة 8.3%، في أسوأ أداء شهري لها، مدفوعة بتقلبات السياسات الجمركية.
وفي الشرق الأوسط، لم تكن الصورة أكثر إشراقًا، إذ تراجع الطلب بنسبة 3.2%، رغم تسجيل نمو طفيف في السعة. بينما سجّلت أوروبا نموًا هامشيًا عند 0.8%، وارتفعت السعة بواقع 2.6%، في دلالة على تعافٍ بطيء ومضطرب.
وفي زوايا أخرى من العالم، أظهرت أمريكا اللاتينية وأفريقيا مؤشرات انتعاش متوسطة، بنمو بلغ 3.5% و3.9% على التوالي في الطلب، ما يعكس مرونة نسبية في بيئة مليئة بالتحديات.
الأسواق تتنفس رغم الانكماش الجمركي
علّق ويلي والش، المدير العام لإياتا، قائلاً إن التوترات التجارية لعبت دورًا محوريًا في رسم هذا المشهد المتقلب. فرغم المؤشرات الإيجابية في بعض المناطق، إلا أن التراجع في أمريكا الشمالية، وتأثير السياسات الجمركية الأمريكية، تضع علامات استفهام حول استدامة هذا النمو.
وأضاف أن “الوضوح في مشهد الرسوم يمنح الشركات ثقة أكبر في التخطيط، لكن الاتفاقيات الأخيرة أدت إلى زيادات كبيرة في تكاليف الاستيراد”. وهذا يعني أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في النقل، بل في السياسة والبيروقراطية التي ترافقه.

اقتصاد عالمي يلتقط أنفاسه… بصعوبة
التعافي الصناعي كان حذرًا في يونيو، حيث تخطّى مؤشر مديري المشتريات العالمي عتبة الـ 50 مسجلًا 51.2 نقطة، في إشارة إلى عودة النشاط الصناعي إلى النمو، ولو ببطء. كما ارتفع مؤشر طلبات التصدير الجديدة بمقدار 1.2 نقطة، لكنه ما يزال دون المستوى الإيجابي، متأثرًا بالتحولات في السياسات التجارية الأمريكية.
أما وقود الطائرات، فقد سجل انخفاضًا بنسبة 12% مقارنة بيونيو 2024، وهو الشهر الرابع على التوالي الذي يشهد تراجعًا سنويًا في الأسعار، رغم ارتفاعه الشهري بنسبة 8.6%.
تفاصيل المسارات… والرياح التي تغيّر اتجاهها
بيّنت الإحصاءات أن ممرات الشحن من/إلى أوروبا وآسيا تواصل الصعود، محققة نموًا بنسبة 10.6% على مدى 28 شهرًا متتاليًا. أما خطوط آسيا وأمريكا الشمالية فاستمر تراجعها للشهر السابع على التوالي بنسبة -4.8%.
وكان المسار بين أمريكا الشمالية وأوروبا أكثر استقرارًا بنمو بلغ 4.8%، فيما حافظت الممرات الداخلية في آسيا على زخم قوي بأكثر من 8.7% من النمو المتواصل خلال 20 شهرًا.
خلاصة المشهد: الطيران التجاري يُعيد رسم خرائطه
النمو المسجّل في يونيو لا يُعتبر كاسحًا، لكنه يحمل في طياته دلالات مهمة. فبينما تتخبط بعض المناطق في أزمات سياسية أو جمركية، تواصل أخرى نموها بهدوء، معتمدة على مرونة سلاسل التوريد وتكاملها الرقمي.
ومع تزايد الاعتماد على الشحن الجوي في تلبية متطلبات التجارة الإلكترونية وسرعة التسليم، فإن ملامح سوق الشحن تتبدل، ويصبح من الضروري أن تتحرك الحكومات لتعزيز استقرار اللوائح، وتبسيط الإجراءات، والاستثمار في البنية الرقمية — لا لرفاهية السوق، بل لصموده في مواجهة عواصفه القادمة.